المقريزي

275

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

يا بركة الحبش التي يومي بها * طول الزمان مبارك وسعيد حتى كأنك في البسيطة جنة * وكأن دهري كله بك عيد يا حسن ما يبدو بك الكتان في * نواره أوزرّه معقود والماء منك سيوفه مسلولة * والقرط فيك رواقه ممدود وكأنّ أبراجا عليك عرائس * جليت وطيرك حولها غرّيد يا ليت شعري هل زمانك عائد * فالشوق فيه مبدئ ومعيد وكان ماء النيل يدخل إلى بركة الحبش من خليج بني وائل ، وكان خليج بني وائل مما يلي باب مصر من الجهة القبلية ، الذي يعرف إلى يومنا هذا بباب القنطرة ، من أجل أن هذه القنطرة كانت هناك . قال ابن المتوج : ورأيت ماء النيل في زمن النيل يدخل من تحته إلى خليج بني وائل . قلت وفي أيام الناصر محمد بن قلاون استولى النشو ناظر الخاص على بركة الحبش ، وصار يدفع إلى الأشراف من بيت المال مالا في كل سنة ، فلما مات الناصر وقام من بعده ابنه المنصور أبو بكر أعيدت لهم . ذكر الماردانيّ هو أبو بكر محمد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد . وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم . وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن عيسى بن رستم الماردانيّ ، أحد عظماء الدنيا . ولد بنصيبين « 1 » لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين ، وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين ، وخلف أباه عليّ بن أحمد الماردانيّ أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة ، وكان معتدل الكتابة ضعيف الحظ من النحو واللغة ، ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة ، فمن دونه على البديهة من غير نسخة ، فيخرج الكتاب سليما من الخلل . ولما قتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين ، استوزره هارون بن خماريه ، فدبّر أمر مصر إلى أن قدم محمد بن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر ، وأزال دولة بني طولون ، وحمل رجالهم إلى العراق ، فكان أبو بكر ممن حمله ، فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال خباسة ، فدبر أمر البلد وأمر ونهى ، وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبار العطارديّ وغيره ، بسماعه منهم في بغداد ، وكان قليل الطلب للعلم ، تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة ، ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم ويكثر من الصلاة ويواظب على الحج ، وملك بمصر من الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله ، وبلغ ارتفاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار سوى الخراج ، ووهب وأعطى وولى وصرف وأفضل ومنع

--> ( 1 ) نصيبين : من بلاد الجزيرة على جادّة القوافل من الموصل إلى الشام .